انتهت جعجعة دمشق رسمياً بعد أن انتهت رمزياً وفعلياً قبل وصول الوفود إلى عاصمة الإيرانيين ” دمشق “, لم يك هنالك ثمة مبرر أصلاً لعقد القمة, طالما أن على أجندتها الملفات المتجمدة العربية ذاتها, وطالما أن الممثلين هم أنفسهم ولا يتغيرون حتى تتغير التوصيات قليلاً, وما دام ضيوفها لا يقدمون ولا يؤخرون ووجودهم مثل عدمهم, وهم مجرد أموات بدون أكفان على خشب وأسفنج قصر ” الصفويين ” للمؤتمرات.
المهم في الأمر, أنها كانت نصف قمة حضرها أحد عشر رأساً عربياً ( لا ننسَ أن تحت كل رأس قدمان, والأقدام إما كانت بقنادر أو بشحاطات, ولكن ذلك لا يؤثر على الأجواء كثيراً, فجوُّ ” دمشق مذ تعرفت على ” طهران ” متقلبٌ ).
الغريب في أمر هذه القمم أن الرؤساء والأمراء يتثاءبون كثيراً على مقاعدهم, ولكن لا يملون ولا يتعبون, يتحدثون لساعات طوال يومياً وخلال يومين عن قضايا مملة وأجندة باعثة على القيء والاشمئزاز ولكنهم لا يملون, والطريف أنهم في قمة دمشق تكلموا بأعصابهم الباردة ذاتها كما درجت العادة بينما الحرائق السياسية والأمنية والاقتصادية تذبح بلدانهم من الأطلسي إلى الخليج مروراً بالصحراء الكبرى, وهم يتخشبون على مقاعدهم ولا يغادرون القاعة وكأنهم في حوار العمر, أو يخافون من تحطيم الأجهزة الأمنية السورية لزجاج طائراتهم, ولكن لا بأس, حسناً فعلوا إذ لم يغادروا المؤتمر فذلك يبدو خياراً عقلانياً جداً, فمن منهم على استعداد ليحوَّل بلاده إلى بؤرة خصبة للسيارات المفخخة, ومن منهم لديه الاستعداد لتحمل فراغ رئاسي قاتل أو تعطيل لبرلمانه المحلي – لا سمح الله – ومن منهم يقبل رؤية خيم الغوغاء أمام مجلس وزراءه إلى يوم الدين وعودة الإمام الغائب.
ولكن ما دهاني أنا الغبي وجعلني أتابع افتتاح المسرحية وإختتامها وتعقب أولئك الممثلين الفاشلين إذ يضحكون على أنفسهم وعلى شعوبهم المنتصبة بكل شموخ وإباء في طوابير طويلة لا تغرب عنها الشمس أمام الأفران, فإذا كانوا من نوع ” الطيور على أشكالها تقع ” ولهم في القمة مآرب أخرى فأنا لا ناقة لي ولا عربة يجرها حمار متقاعد ولا دراجة نارية في القمة.
لماذا أتابع مجريات القمة في شوطيها وأوجع رأسي بكل ذلك الغباء المبرمج والهراء, وأنا من أنصار تقسيم العراق إلى خمس دول : شيعية وسنية وكردية وآثورية وتركمانية, وتقسيم السودان إلى ثلاث دول على الأقل : دولتان أخريان لجنوب السودان ودارفور, وكذلك استقلال الصحراء الغربية وأنجوان, وإجراء استفتاءات في كل دول الجامعة, واعتماد خيار حق الشعوب والأقليات والطوائف في تقرير مصيرها في ظل فقر الاندماج بين المكونات الجلي للعيان, وثبوت انتهاء صلاحية اللصقات السلطوية التي تفرض الوحدات الوطنية والعيش المشترك, تماماً كفرضية التضامن العربي المشترك التي كانت العنوان الفاقع لقمة دمشق, فمتابعة سباق ” فورمولا وان ” الذي لم أفهم قواعده بعدُ أفضل وأجدى بكثير من سباق البلاغويات النائمة في عمامة ” أبن منظور ” التي تشهدها كل قمة عربية.
في ظل لامبالاة رعايا دول الجامعة العربية بقمة دمشق وما سبقها من قمم, وفي ظل المقاربة النقدية المعقولة لعدد كبير من المنابر الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية للقمة الأخيرة وعدِّها ساقطة قبل أن تنعقد, كان بديهياً للإعلام الحكومي السوري وأشباهه ونظائره التحرك والاستنفار وتكحيل عيون القمة وإضفاء الكثير من الإكسسورارات والأكاذيب الميئوس منها على القمة, والحق يقال أن كاميرات التلفزيون السوري كانت منتشرة في كل مكان من المحيط إلى الخليج, وكانت تطرح على رميم المواطنين العرب في تونس والجزائر وموريتانيا واليمن وغيرها أسئلة لا تحصى متعلقة بكلمة رئيس قصر الشعب المفدى ” بشار الأسد ” وأهميتها, المهم أن كل من التقاهم التلفزيون السوري خارج سوريا كانوا من عرب الممانعة والمناطحة, هل تتوقعون خلاف ذلك ؟. ولكن لماذا كان المواطنون على شاشات الجزيرة والعربية وأخبار المستقبل من النوع الذي لا يهتم بالقمة ولا يتابعها ومنهمكٌ برمي النرد في المقاهي أكثر؟.
أطرف التصريحات التي قرأتها عن قمة دمشق هي لوالي حلب ” تامر الحجة “, الذي يؤكد في يوم انطلاقة القمة أن على أجندتها ” قضايا نوعية ” متصلة بـ ” حياة المواطن العربي اليومية “, ويختصرها للأكارم الذين لا يقرأون لأمثاله ولا يكتبون بما يلي : ارتفاع الأسعار, موجة الغلاء العالمية وسبل ضبطها, قضايا خدمية وصحية, الاستراتيجية التنموية الشاملة, وتعزيز العمل الاقتصادي العربي في مجالات البنية التحتية, وربط الدول العربية بشبكة الطرق والجسور والسكك الحديدية والنقل الجوي وتطوير العمل السياحي , والقضاء على ظاهرة البطالة … إلخ.
من مقارنة مفردات تصريحه بمناقشات القمة وأجندتها نفغرُ فاهاً, ونلاحظ أن ليس لدى ” تامر الحجة ” الخبر اليقين وكأنه محافظ ” بروكسل ” أو ” باريس ” أو أي مدينة أوربية أخرى, فالقارىء لتصريح آية السلطة التنفيذية وحجتها ” تامر ” أنعم الله عليه بالصمت والسكوت والخرس سيلاحظ وكأن الرجل يتحدث عن مؤتمر للأتحاد الأوربي أو مجموعة الـ ” آسيان “, ويحتمل – لئلا نظلم الرجل – أن ” شام برس ” وضعت آلة التسجيل تحت وسادته ليلاً فيما هو يشخر.
حديث والي حلب إنشاء بليغ ومجاز سياسي وتلاعب بالكلمات وإسقاط لها على الواقع السوري, أفلا يعلم أن التنمية وملحقاتها تحتاج قبل كل شيء إلى الديمقراطية, وهل هو يحتاج إلى توصيات من مؤتمر القمة العربية لكي يتحرك في حلب التي تتحول إلى مزبلة كبرى وشرشوحة المدن وحاضرة الفساد السوري الشمالية, أم أن عليه أن يدلو بدلوه فقط ويتخمنا بعباراته الغثة والسمينة شأنه شأن كل مسؤولي الدولة / الإكسسوارات.
ما أعلمه بحق, أن هكذا مؤتمرات غير جديرة بالمتابعة ولا مبرر يسند إقامتها بكل هذا البذخ, فحين كنت أتابع السيارات وهي تدخل من بوابة قصر المؤتمرات مع ذلك الإخراج شبه السينمائي تخيلت نفسي للوهلة الأولى وكأني أتابع مسلسلاً سورياً من النوع الفانتازي الذي يركز على الصورة وبهرجات اللون وزاوية الإخراج, ولكن قد لا يبدو المؤتمر ضرباً من مسلسل درامي سوري أو ما شابه, فهو بمجرياته ربما يشبه مسلسل كرتون أو فيلم صور متحركة لزعماء تحولوا في الخارج إلى مهازل وفي الداخل إلى فزاعات حقول تنهر المواطنين والأحرار.
وأظن أنه من الأسلم, لئلا يرتعد أشباه المواطنين وأنصاف المواطنين وأرباعهم وجزيئات المواطنين من الخليج إلى المحيط من متابعة القمة, وفيها هذه الكميات والأحجام من الكواسر والجوارح والفزاعات, أن يضيف وزراء الإعلام العرب فقرة إضافية إلى وثيقتهم سيئة الصيت التي صدرت مؤخراً حول البث التلفزيوني, فيحددوا السن القانونية لمتابعة مؤتمرات القمة, على ألا تزيد عن ست سنوات, كأن تكتب التلفزيونات العربية في زوايا شاشاتها ( – 6 ) مثلاً, أو يكتبوا في الزوايا إياها ( + 80 ), ويمكن لمؤسسات المجتمع المدني العربية وفي المنطقة استشارة مختصين نفسانيين في سبيل ذلك للوصول إلى نتيجة معقولة وتحديد الأعمار التي يحق لها متابعة هكذا مهرجانات مخيفة, وهنا أتذكر طرفة حول صرصور وصرصورة تزوجا وفي الليلة الأولى وبينما الاثنان يتابعان التلفزيون تفاجأ بإعلان حول ” هالك ” مبيد الحشرات الفعال فاعتبرا ذلك فيلم رعب وأطفأ التلفاز قبل أن يموتا من الخوف, ويمكن أيضا لمجالس إدارات التلفزيونات العربية أن تكتب على الشاشة أيضاً جمل أو عبارات تحذيرية من قبيل : ” ممنوع المشاهدة للحوامل ومرضى القلب ” أو ” تحذير صحي : القمة العربية سبب رئيسي لسرطان وأمراض الرئة وأمراض القلب والشرايين “.
المصدر : الناخب السوري